في توقيت بالغ الحساسية يمر به السوق العقاري المصري، وسط تحديات اقتصادية متراكمة وارتفاع ملحوظ في تكاليف البناء، جاء المؤتمر السنوي الأول لجمعية المطورين العقاريين ليؤكد أن القطاع يقف عند مفترق طرق حاسم، يتطلب قرارات جريئة ورؤية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص.
المؤتمر، الذي عُقد تحت عنوان:
«قمة المطورين.. القيادة في البناء والمسؤولية في التنمية»، لم يكن مجرد تجمع مهني، بل تحوّل إلى منصة نقاش استراتيجية طرحت بوضوح مشكلات السوق، وقدّمت حلولًا عملية تستهدف إعادة ضبط المنظومة العقارية على أسس من التنظيم والاستدامة.
مؤتمر الضرورة.. لماذا الآن؟
انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت لم يكن عابرًا، بل جاء استجابة مباشرة لمتغيرات فرضت نفسها على المشهد العقاري، أبرزها تراجع القدرة الشرائية، وتشدد آليات التمويل، والحاجة إلى كيان مؤسسي قادر على التعبير عن المطورين الجادين، وفتح قنوات تواصل فعالة مع مؤسسات الدولة.
ومن هنا، سعت الجمعية من خلال مؤتمرها الأول إلى ترسيخ مفهوم الشراكة لا المواجهة، وتأكيد أن المطور العقاري شريك رئيسي في تحقيق أهداف الدولة العمرانية والاقتصادية، وليس مجرد منفذ لمشروعات.
تنظيم السوق.. الملف الأهم على طاولة النقاش
أجمع المشاركون في جلسات المؤتمر على أن تنظيم السوق العقاري يمثل التحدي الأكبر في المرحلة الحالية، في ظل غياب ضوابط واضحة تحكم عمل بعض الكيانات غير المؤهلة، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة العملاء وسمعة القطاع.
وأكدت الجمعية أن وجود اتحاد قوي ومنظم للمطورين بات ضرورة ملحة، لضمان الفصل بين الشركات الجادة وغير الجادة، ورفع مستوى الحوكمة، وحماية حقوق العملاء، بما يعزز استدامة السوق على المدى الطويل.
النتائج الختامية: 5 مطالب رئيسية لإعادة ضبط السوق
وأسفر المؤتمر في ختامه عن خمس مطالب رئيسية، اعتبرها المشاركون بمثابة خارطة طريق لإنقاذ السوق العقاري وتنظيمه، في وقت يشهد فيه القطاع تحولات كبرى تتطلب حلولًا غير تقليدية.
حوار مجتمعي دائم وشراكة مع الدولة
وتمثل المطلب الأول للجمعية في إرساء حوار مجتمعي مؤسسي ومنظم بين المطورين ومؤسسات الدولة، بهدف توحيد الرؤى، والتعامل مع التحديات البيروقراطية بشكل أكثر مرونة.
وطالبت الجمعية بإتاحة فرص أوسع للقطاع الخاص للمشاركة في تنفيذ مشروعات الإسكان الاجتماعي والمتوسط، موضحة أن دخول المطورين في هذه المشروعات يضمن سرعة التنفيذ، واستخدام أحدث تكنولوجيات البناء، بما يوفر وحدات سكنية بأسعار عادلة، ويخفف العبء المالي عن موازنة الدولة.
تنويع الأراضي وتطوير منظومة التراخيص
شددت الجمعية على أهمية تنويع طرح الأراضي من حيث المساحات، مع إتاحة قطع أصغر تتناسب مع متغيرات السوق والقدرات الشرائية خلال عام 2026، مؤكدة أن تنوع المنتج العقاري أصبح ضرورة وليس رفاهية.
كما طالبت بتطوير وتسريع منظومة التراخيص في المدن الجديدة، حيث إن تقليص فترات الانتظار يحد من ارتفاع تكلفة الاستثمار، ويشجع البنوك على تمويل المشروعات الحاصلة على تراخيص واضحة ونهائية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على حركة التشييد والبناء.
استهداف المصريين بالخارج وتنشيط تصدير العقار
دعت الجمعية إلى تبني رؤية واضحة تستهدف المصريين العاملين بالخارج، باعتبارهم عنصرًا محوريًا في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تصميم منتجات عقارية تتوافق مع تطلعاتهم الاستثمارية والسكنية.
وأكدت أن جذب مدخرات المصريين بالخارج إلى القطاع العقاري يسهم في توفير العملة الصعبة، ويدعم توجه الدولة نحو تصدير العقار، وهو ما يتطلب تنسيقًا أكبر مع البنوك لتسهيل التحويلات المالية، وتفعيل التعاقدات عن بُعد عبر الخدمات المصرفية الرقمية.
خفض الفائدة وتفعيل التمويل العقاري
احتل ملف التمويل العقاري صدارة توصيات المؤتمر، حيث طالبت الجمعية بخفض أسعار الفائدة إلى 6% للإسكان الاجتماعي و8% للإسكان المتوسط، معتبرة أن هذا الإجراء كفيل بتحويل الطلب المؤجل إلى طلب حقيقي.
وأكد المشاركون أن تيسير التمويل سيمكّن آلاف الأسر من تملك وحدات سكنية بنظم سداد ميسرة، ويحد من ركود الوحدات الجاهزة، كما يعزز من دور البنوك كشريك فعلي في التنمية العمرانية الشاملة.
اتحاد قوي واستدامة السوق
المؤتمر الأول كان بمثابة إعلان عن قوة الجمعية وتماسك أعضائها، مشددًا على أن وجود اتحاد حقيقي للمطورين هو الضمانة الأساسية لتنظيم السوق، وحمايته من الكيانات غير الجادة.
وأن الاستدامة العقارية تتطلب الالتزام بمعايير البناء الحديثة، وتوفير بيئة استثمارية شفافة، تضمن حقوق العملاء وترفع جودة الخدمات المقدمة.
قراءة مستقبلية
يمثل المؤتمر السنوي الأول لجمعية المطورين العقاريين خطوة تأسيسية مهمة نحو بناء سوق أكثر تنظيمًا وتوازنًا، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه المطالب إلى سياسات تنفيذية، واستمرار الحوار بين الدولة والقطاع الخاص.
ويرى خبراء أن الاستجابة لهذه الرؤية المتكاملة قد تمهد لانطلاقة عمرانية جديدة، تجعل من الاستثمار العقاري في مصر أحد أكثر القطاعات أمانًا وربحية، وتدعم قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

