قبل أن يعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الشهر الماضي، اقترح إيلون ماسك، أحد أكبر الداعمين الماليين لحملته، خطة طموحة تهدف إلى خفض الإنفاق الحكومي الأمريكي بمليارات الدولارات.
ومن وراء الكواليس، كان ماسك يعمل على استقطاب نخبة من كبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا، بالإضافة إلى مجموعة من المبرمجين الشباب، بهدف إحداث تحول جذري في أحد أكبر الأنظمة البيروقراطية في العالم، وفقاً لـفايننشال تايمز.
“دوج”: فريق ماسك لإعادة هيكلة الحكومة
نجح فريق ماسك، الذي يعمل تحت مسمى “إدارة الكفاءة الحكومية” أو “دوج”، في التغلغل داخل مؤسسات حكومية رئيسية، حيث تم فصل أو تعليق عمل عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية، مع منح الفريق صلاحيات واسعة للوصول إلى كميات ضخمة من البيانات الحساسة المتعلقة بالأمن القومي، الصحة العامة، والشؤون المالية.
وعلى الرغم من أن هذه الإدارة تم إعادة هيكلتها لتكون جزءًا من البيت الأبيض، فقد عزز فريق “دوج” وجوده داخل وزارات أساسية، مثل وزارة الخزانة والخارجية والصحة، إضافة إلى إدارة الطيران الفيدرالية ووكالات حكومية أخرى. وقد وصل الأمر إلى أن بعض أفراد الفريق باتوا يقيمون داخل المباني الفيدرالية نفسها.
إحدى أبرز الخطوات التي اتخذتها “دوج” كانت إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وإلغاء جميع عقودها، مما أدى إلى تقليص عدد موظفيها من 10,000 إلى 600 فقط.
إثارة الجدل داخل الكونغرس
أثارت عمليات التدقيق المالي الواسعة التي أجراها فريق “دوج”، والتي شملت مراجعة تحويلات مالية بقيمة تريليونات الدولارات، صدمة كبيرة بين المشرعين الأمريكيين. فالفريق بات يمتلك إمكانية الوصول إلى بيانات حساسة، مثل أرقام الضمان الاجتماعي وتفاصيل الحسابات المصرفية والسجلات الصحية الشخصية.
وفي رسالة احتجاج وجهها ثمانية من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، عبّروا عن قلقهم الشديد قائلين: “لم يتم تزويد الكونغرس أو الجمهور بأي معلومات عن هوية المعينين رسميًا في إدارة “دوج” أو عن الأسس القانونية التي تستند إليها هذه الإدارة في عملها”.
سرعة تنفيذ “دوج” تثير الدهشة
حتى أكثر المؤيدين لفكرة تقليص حجم الحكومة بدوا مذهولين من سرعة تنفيذ فريق “دوج” لمهامه. جيمس فيشباك، المستثمر والمستشار السابق في الإدارة، وصف عمل الفريق قائلاً: “ما تقوم به “دوج” يفوق كل التوقعات. إنهم يعملون بسرعة غير مسبوقة وبتصميم حاسم”.
غير أن تبعات هذه الإجراءات بدأت تتجلى على أرض الواقع بشكل سريع. فقد أدى إغلاق بعض المؤسسات الحكومية إلى تعطيل إيصال الأدوية الحيوية لمرضى الإيدز في جنوب إفريقيا ودول أخرى، كما توقفت تجارب سريرية حيوية، وشهدت بعض المواقع الإلكترونية الحكومية انقطاعات متكررة في الخدمة.
مفارقة ماسك: محارب البيروقراطية المستفيد منها
برز ماسك كأحد أبرز الشخصيات الداعمة لمفهوم الليبرتارية التقنية في وادي السيليكون، وهو التيار الذي يرى أن اللوائح الحكومية تعيق الابتكار وتحدّ من الأرباح. لكن المفارقة تكمن في أن شركات ماسك، وعلى الرغم من معارضته للبيروقراطية، تعتمد بشكل كبير على العقود الحكومية التي تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، تشمل تسلا، سبيس إكس، وغيرها.
قدم ماسك تبرعًا سخيًا بقيمة 250 مليون دولار لحملة ترامب الانتخابية، وسعى للحصول على دور بارز في تنفيذ خطة تقليص حجم الحكومة. وحدد هدفًا طموحًا بخفض الإنفاق بمقدار تريليوني دولار، أي ما يعادل ثلث الميزانية السنوية للحكومة الأمريكية البالغة 6.8 تريليونات دولار. إلا أنه تراجع لاحقًا عن هذا الهدف، مشيرًا إلى أن “دوج” قد تتمكن فقط من تحديد مجالات لخفض النفقات بقيمة تريليون دولار.
من تويتر إلى الحكومة: تطبيق نموذج “التدمير الإبداعي”
اتبعت “دوج” تكتيكات مشابهة لما فعله ماسك عند استحواذه على منصة تويتر في عام 2022، عندما قام بخفض التكاليف بشكل حاد، وتسريح 80% من القوى العاملة، وفرض معايير ولاء صارمة على الموظفين المتبقين، وهي سياسة أطلق عليها المنتقدون اسم “دليل التدمير”.
في رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلت لموظفي الحكومة لحثهم على قبول عروض إنهاء الخدمة الطوعية، استخدمت “دوج” نفس العبارات التي استخدمها ماسك مع موظفي تويتر، مثل “مفترق طرق”. كما استعان ماسك بمقربين منه قادوا عمليات تسريح سابقة، من بينهم ستيف ديفيس، الرئيس التنفيذي لشركة “ذا بورينج كومباني”، والذي لعب دورًا محوريًا في عمليات إعادة الهيكلة.
عقبات قانونية وردود فعل متباينة
رغم السرعة التي تحركت بها “دوج”، إلا أن خططها واجهت مقاومة قانونية وسياسية. ففي حين أن بعض الجمهوريين، مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون، رحبوا بالتحركات ووصفوها بأنها “تطور مرحب به”، إلا أن معارضة الديمقراطيين أخذت تتصاعد.
واجه فريق ماسك أول تحدٍ كبير عندما استقال ديفيد ليبريك، المخضرم في وزارة الخزانة، بعد أن طالب “دوج” بالوصول إلى بيانات نظام المدفوعات الضخم في الوزارة. كما لجأ ماسك إلى منصته “إكس” للهجوم على منتقديه، متوعدًا بالكشف عن أي شخص يعارض خطط “دوج”.
ورغم كل ما أُثير حول الفريق، فإن أعداد الموظفين الفيدراليين الذين قبلوا عرض إنهاء الخدمة لم تتجاوز حتى الآن 60,000 موظف، وهو رقم أقل بكثير من التوقعات الأولية التي كانت تتحدث عن مئات الآلاف.
بينما يمضي ماسك قدمًا في تنفيذ خطته الجريئة لإعادة هيكلة الحكومة الأمريكية، يبقى السؤال: هل سيتمكن من تحقيق رؤيته في ظل العقبات القانونية والتحديات السياسية؟ أم أن مقاومة النظام البيروقراطي العريق ستُحبط محاولاته كما حدث مع مشاريع إصلاح حكومية سابقة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.