يرى المستشار محمد جادالله، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أن ملف الإيجار القديم من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية تعقيدًا في مصر، لأنه لا يتعلق بمجرد علاقة تعاقدية بين مؤجر ومستأجر، وإنما يرتبط بحقوق دستورية متقابلة، في مقدمتها حق الملكية الخاصة من ناحية، والحق في السكن والاستقرار الاجتماعي من ناحية أخرى.
ويؤكد أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تقوم على الانحياز الكامل لأي من طرفي العلاقة، وإنما على الوصول إلى صيغة تحقق العدالة والتوازن، وتحترم أحكام الدستور وأحكام المحكمة الدستورية العليا، وفي الوقت نفسه تراعي الظروف الاجتماعية للمستأجرين والحقوق القانونية للملاك.
وأوضح أن قوانين الإيجار الاستثنائية نشأت في ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة تمامًا عن الظروف الحالية، وكان الهدف منها مواجهة أزمة الإسكان وحماية قطاعات واسعة من المجتمع، إلا أن استمرار بعض آثارها لعقود طويلة أدى إلى ظهور اختلالات واضحة في العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تنظيم العلاقة الإيجارية أصبحت أمرًا مشروعًا من حيث المبدأ، بشرط أن يتم ذلك من خلال قواعد واضحة وعادلة، وألا يؤدي الإصلاح التشريعي إلى تحميل طرف واحد وحده نتائج تراكمات امتدت لعشرات السنوات.
حق الملكية ليس مطلقًا.. لكنه لا يجوز إهداره
ويرى جادالله أن حق الملكية الخاصة من الحقوق التي كفلها الدستور، وبالتالي لا يجوز أن تتحول قوانين الحماية الاستثنائية إلى وسيلة تؤدي عمليًا إلى تعطيل استفادة المالك من ملكه بصورة غير محددة المدة.
وفي المقابل، فإن حماية الملكية لا تعني تجاهل الظروف الاجتماعية للمستأجرين الذين أقاموا في هذه الوحدات لعقود، خصوصًا كبار السن والأسر محدودة الدخل ومن لا يملكون مسكنًا بديلًا.
ولذلك فإن العدالة التشريعية، من وجهة نظره، يجب أن تقوم على التدرج والموضوعية ومراعاة اختلاف الحالات، وليس على قاعدة واحدة تطبق بصورة جامدة على جميع المستأجرين.
الفترة الانتقالية عنصر مهم في تحقيق العدالة
ويعتبر أن منح فترة انتقالية قبل انتهاء العلاقة الإيجارية يمكن أن يكون أحد الحلول التي تساعد على تخفيف الآثار الاجتماعية للقانون، لأنها تمنح المستأجر فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه والبحث عن بديل مناسب.
لكن في الوقت ذاته، يجب أن تكون الفترة الانتقالية متناسبة مع طبيعة المشكلة، وألا تتحول إلى امتداد جديد للأزمة نفسها، لأن الهدف النهائي من الإصلاح هو إعادة العلاقة الإيجارية إلى إطار أكثر توازنًا واستقرارًا.
ضرورة التفرقة بين الحالات
ومن النقاط المهمة التي ينبغي مراعاتها عند تطبيق القانون – بحسب هذه الرؤية – عدم التعامل مع جميع المستأجرين باعتبارهم فئة واحدة.
فهناك مستأجر يقيم بالفعل في الوحدة باعتبارها مسكنه الوحيد، وهناك من يمتلك مسكنًا آخر، وهناك من ترك الوحدة مغلقة، وهناك وحدات تستخدم في غير الغرض المتفق عليه، كما توجد حالات تتعلق بالامتداد القانوني وانتقال العلاقة إلى أشخاص آخرين.
لذلك فإن تحقيق العدالة الحقيقية يتطلب وضع معايير دقيقة تستطيع التمييز بين الحالات المختلفة، بحيث تصل الحماية إلى المستحق فعلاً، وفي الوقت نفسه لا تستمر أوضاع استثنائية لم يعد لها مبرر اجتماعي أو قانوني.
ماذا عن المستأجر غير القادر؟
ويؤكد جادالله أن إنهاء العلاقة الإيجارية لا ينبغي أن ينظر إليه بمعزل عن المسؤولية الاجتماعية للدولة، خاصة بالنسبة للمستأجرين الذين يثبت أنهم غير قادرين فعليًا على توفير مسكن بديل.
ومن هنا تكتسب فكرة توفير وحدات سكنية بديلة أهمية كبيرة، شريطة أن تكون هناك آليات واضحة وشفافة لتحديد المستحقين، وألا تتحول عملية تخصيص الوحدات البديلة إلى مصدر جديد للنزاعات.
المشكلة ليست في مبدأ الإصلاح وإنما في آليات التطبيق
ومن الناحية القانونية، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: هل يجوز إنهاء نظام الإيجار القديم أم لا؟
وإنما يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر دقة، منها: هل القواعد الجديدة تحقق التناسب بين الهدف التشريعي والآثار المترتبة عليها؟ وهل تراعي المراكز القانونية المختلفة؟ وهل توفر حماية كافية للفئات الأكثر احتياجًا؟ وهل تضمن في الوقت نفسه عدم استمرار الاعتداء على حق الملكية؟.
فهذه المعايير هي التي يمكن من خلالها تقييم مدى تحقيق التشريع للتوازن الدستوري المطلوب.
الطعن أمام المحكمة الدستورية لا يعني وقف القانون تلقائيًا
وفيما يتعلق بالدعاوى المقامة أمام المحكمة الدستورية العليا للطعن على بعض أحكام قانون الإيجار القديم، فمن المهم – بحسب الرؤية القانونية – التفرقة بين مجرد إقامة الدعوى وبين صدور حكم نهائي فيها.
فوجود طعون دستورية يعني أن هناك نقاشًا قانونيًا حول بعض النصوص، لكنه لا يعني بذاته سقوط القانون أو وقف العمل بأحكامه.
وتظل الكلمة الفصل في مدى دستورية النصوص المطعون عليها للمحكمة الدستورية العليا وفقًا لاختصاصها الدستوري والقانوني.
الحل الأفضل: قانون مستقر وليس تعديلات متكررة
ويختتم المستشار محمد جادالله رؤيته بالتأكيد على أن ملف الإيجار القديم يحتاج إلى حل تشريعي مستقر، لأن استمرار التعديلات والمنازعات لسنوات أخرى لن يخدم لا المالك ولا المستأجر.
فالمالك يحتاج إلى ضمان حقيقي لحقه في ملكيته، والمستأجر يحتاج إلى ضمانات تحميه من التعرض المفاجئ لفقدان مسكنه دون بديل مناسب.
ومن ثم، فإن الحل الأكثر عدالة هو الذي يجمع بين احترام الملكية الخاصة، وحماية السكن، والتدرج في التطبيق، ومراعاة الحالات الاجتماعية، وتوفير البدائل للفئات المستحقة، ووضع معايير واضحة تمنع التعسف من أي طرف.
وفي النهاية، فإن قضية الإيجار القديم لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين «الملاك» و«المستأجرين»، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها قضية تشريعية ومجتمعية تحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة على أساس العدالة والتوازن واحترام الدستور.
فيسبوك تويتر / X يوتيوب واتساب
عقار 24
يقدم موقع عقار 24 تغطية يومية لأهم أخبار السوق العقاري المصري، وأسعار الشقق، الاستثمار العقاري، أخبار العقارات، أسعار الشقق في مصر، كمبوندات القاهرة الجديدة، العاصمة الإدارية الجديدة، سعر الذهب اليوم، سعر الحديد اليوم، سعر الدولار اليوم، سعر البنزين، أخبار الاقتصاد المصري، الاستثمار في العقارات، عقارات التجمع الخامس، عقارات العلمين الجديدة، شقق الإسكان الاجتماعي، سكن لكل المصريين، سكن مصر، وزارة الإسكان، بيت الوطن،أسعار العقارات في مصر، شراء شقة في مصر، الشيخ زايد، مدينة المستقبل، المنصورة الجديدة، شراء شقق بالتقسيط، أسعار مواد البناء، سوق المقاولات في مصر، كمبوندات التجمع الخامس، حديد عز، الحديد الاستثماري..


