سيغضب مني كثيرون، وربما يصفني بعضهم بأنني رجعي أو أنني أرفض التطور، لكن لا بأس. فليس كل جديد نعمة، وليس كل تقدم يعني أننا أصبحنا أفضل.
لو سألني أحدهم اليوم: هل تتمنى أن يختفي الإنترنت؟ ستكون إجابتي، نعم… أتمنى ذلك، أو على الأقل أتمنى أن يعود إلى حجمه الطبيعي كوسيلة، لا كعالم بديل نعيش داخله.
قد يبدو هذا الرأي صادمًا في عصر أصبح فيه الهاتف امتدادًا ليد الإنسان، لكنني أنظر حولي فلا أرى التكنولوجيا التي وعدتنا بحياة أفضل، بل أرى بشرًا أقل سعادة، وأطفالًا أقل براءة، وأسرًا أقل تماسكًا، وعقولًا أقل تركيزًا، ومجتمعات أكثر ضجيجًا وأقل معرفة.
من يربي أبناءنا الآن؟
الإجابة لم تعد الأب ولا الأم.
في كثير من البيوت أصبح الهاتف هو المربي الحقيقي، وأصبحت خوارزميات منصات التواصل هي التي تحدد ما يشاهده الطفل، وما يقلده، وما يضحك عليه، وما يغضب منه، بل وما يعتقد أنه صواب أو خطأ.
أصبح الطفل يحفظ أسماء مشاهير الإنترنت أكثر مما يحفظ أسماء الصحابة والعلماء والأدباء. يعرف آخر التحديات الرائجة، لكنه لا يعرف آخر كتاب قرأه.
وحين يصبح الهاتف هو المعلم، فلا تتعجب إذا أصبح الطفل يتحدث بلغة غريبة عن مجتمعه، أو يقلد سلوكًا لا يشبه بيئته ولا قيم أسرته.
سرقوا طفولة الأطفال
كان الطفل يخرج إلى الشارع، يركض، يسقط، ينهض، يتشاجر ثم يتصالح، يتعلم من الحياة مباشرة.
اليوم، يعيش طفولته داخل شاشة لا تتجاوز بضع بوصات.
استبدل الكرة بعصا التحكم، والحديقة بلعبة إلكترونية، والضحكات الحقيقية برموز تعبيرية.
وحين يكبر، نكتشف أنه لا يعرف كيف يتحدث، ولا كيف يكوّن صداقات، ولا كيف يتحمل الفشل أو الانتظار.
الإنترنت… القاتل الصامت للقراءة
أخطر ما فعله الإنترنت أنه لم يقتل الوقت فقط، بل قتل القدرة على القراءة.
الكتاب يحتاج إلى صبر، أما الهاتف فيمنحك مئات المقاطع في دقائق.
ومع الوقت أصبحت عقولنا مدمنة على السرعة، ترفض المقال الطويل، وتمل من الصفحة الثانية في أي كتاب، وتبحث دائمًا عن ملخص، ثم ملخص الملخص.
لقد خسرنا عادة القراءة التي صنعت الحضارات، واستبدلناها بثقافة التمرير المستمر.
تواصل بلا علاقات
يقال إن الإنترنت قرّب المسافات، لكن الحقيقة أنه باعد بين البشر.
في المطاعم، وفي البيوت، وحتى في الزيارات العائلية، يجلس الجميع حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد منهم يعيش داخل شاشة مختلفة.
انتهت الحكايات التي كانت تروى بعد العشاء، واختفت الجلسات التي كانت تجمع الأجيال، وأصبح الصمت سيد المكان، بينما تتحدث الهواتف بدلًا منا.
لدينا آلاف المتابعين، لكننا نفتقد شخصًا نجلس معه ساعة كاملة دون أن ينظر إلى هاتفه.
صحتنا أيضًا تدفع الثمن
لم يعد ضرر الإنترنت نفسيًا فقط.
السمنة بين الأطفال في ازدياد، وآلام الرقبة والظهر أصبحت مألوفة حتى في سن مبكرة، واضطرابات النوم أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، وضعف النظر لم يعد مرتبطًا بكبار السن.
الجسم خُلق للحركة، لكننا أقنعناه بأن الحركة أصبحت مجرد تمرير إصبع على شاشة.
الأخلاق في مواجهة شاشة بلا أبواب
لم يعد الأب أو الأم يعرفان كل ما يشاهده الأبناء.
العالم كله أصبح داخل غرفة الطفل، بكل ما فيه من علم، ومن جهل، ومن قيم، ومن انحرافات.
ولأن الإنترنت لا يفرق بين طفل ورجل بالغ، أصبح الوصول إلى المحتوى غير المناسب أسهل من أي وقت مضى.
المشكلة ليست في وجود المعرفة، بل في غياب الحارس.
حتى الصحافة دفعت الثمن
ولأنني صحفي، أشعر أنني عشت التحول بكل تفاصيله.
في زمن الصحافة الورقية، كان الصحفي يبحث عن الخبر، ويتحقق منه، ثم يكتبه، فينتظره الناس صباح اليوم التالي. وكانت المؤسسات والمسؤولون والشخصيات العامة يحتاجون إلى الصحفي ليصل صوتهم إلى الجمهور، وكان البيان الصحفي يمر عبر غرفة الأخبار قبل أن يراه الناس.
كان الصحفي مصدرًا للمعلومة، وصانعًا للرأي العام، وحلقة الوصل بين المسؤول والمواطن.
أما اليوم، فقد تغير كل شيء.
أصبح لكل وزارة وهيئة وشركة ومتحدث رسمي صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تنشر الأخبار والبيانات لحظة بلحظة. وأصبح لكل مسؤول أو فنان أو رياضي حساب يتحدث من خلاله مباشرة إلى جمهوره، دون وسيط.
وفي المقابل، وجد الصحفي نفسه وسط بحر هائل من المحتوى، ينافس آلاف المؤثرين وصناع المحتوى، الذين قد يحصد أحدهم ملايين المشاهدات في دقائق، بينما يقضي الصحفي ساعات أو أيامًا في إعداد مادة مهنية موثقة لا تحظى إلا بجزء يسير من الاهتمام.
لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فيضانها. ولم يعد التحدي الوصول إلى الخبر، بل إقناع الناس بالخبر الصحيح وسط سيل من الشائعات والمحتوى السريع الذي يكافئ الإثارة أكثر مما يكافئ الحقيقة.
ولهذا تراجع بريق المهنة، ليس لأنها فقدت قيمتها، ولكن لأن زمن السرعة جعل كثيرين يفضلون المعلومة السريعة على المعلومة الدقيقة.
واليوم لم يعد التحدي مقتصرًا على الإنترنت ومنصات التواصل، بل دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرًا على كتابة النصوص، وصناعة الصور، وتقليد الأصوات، وإنتاج محتوى يصعب أحيانًا التمييز بينه وبين الحقيقة. وإذا كنا قد اختلفنا بالأمس حول صدق ما يُنشر على الإنترنت، فقد نجد أنفسنا غدًا أمام عالم يصبح فيه السؤال الأصعب: هل ما نراه حقيقي أصلًا؟.
هل نحن فعلًا أكثر سعادة؟
نملك هواتف أذكى من أي وقت مضى، لكن هل أصبحنا أكثر هدوءًا؟
لدينا إنترنت أسرع، لكن هل أصبحت علاقاتنا الإنسانية أقوى؟
لدينا معلومات أكثر، لكن هل أصبحت حكمتنا أكبر؟
أخشى أن تكون الإجابة: لا.
لست ضد التكنولوجيا… بل ضد عبوديتها
لا أدعو إلى هدم الإنترنت أو العودة إلى عصر الحمام الزاجل، فالتكنولوجيا خدمت الطب والتعليم والبحث العلمي والتجارة، ولا يمكن إنكار فضلها.
لكنني أرفض أن تتحول من أداة في أيدينا إلى سيد يتحكم في يومنا، ويحدد كيف نفكر، وماذا نقرأ، ومع من نتحدث، وكيف نربي أبناءنا.
التقدم الحقيقي ليس أن نمسك أحدث هاتف، بل أن نستطيع إغلاقه متى شئنا.
كلمة أخيرة
ربما سيعتبر البعض هذا المقال حنينًا إلى الماضي، وربما يراه آخرون تشاؤمًا.
لكنني أؤمن أن الحضارة لا تُقاس بسرعة الإنترنت، ولا بعدد المتابعين، ولا بقدرة الذكاء الاصطناعي، وإنما تُقاس بقدرة الإنسان على أن يبقى إنسانًا.
فإذا أصبح الهاتف أقرب إلى أطفالنا منا، وإذا أصبحت الخوارزميات أقدر على تشكيل وعيهم من الأسرة والمدرسة، وإذا أصبح الكتاب غريبًا، والصحفي تائهًا، والجلسة العائلية ذكرى، فربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالًا مؤلمًا:
هل نحن من استخدم الإنترنت… أم أن الإنترنت هو الذي استخدمنا؟
فيسبوك تويتر / X يوتيوب واتساب
عقار 24
يقدم موقع عقار 24 تغطية يومية لأهم أخبار السوق العقاري المصري، وأسعار الشقق، الاستثمار العقاري، أخبار العقارات، أسعار الشقق في مصر، كمبوندات القاهرة الجديدة، العاصمة الإدارية الجديدة، سعر الذهب اليوم، سعر الحديد اليوم، سعر الدولار اليوم، سعر البنزين، أخبار الاقتصاد المصري، الاستثمار في العقارات، عقارات التجمع الخامس، عقارات العلمين الجديدة، شقق الإسكان الاجتماعي، سكن لكل المصريين، سكن مصر، وزارة الإسكان، بيت الوطن،أسعار العقارات في مصر، شراء شقة في مصر، الشيخ زايد، مدينة المستقبل، المنصورة الجديدة، شراء شقق بالتقسيط، أسعار مواد البناء، سوق المقاولات في مصر، كمبوندات التجمع الخامس، حديد عز، الحديد الاستثماري..



