لم يكن أشقاؤنا في الخليج يتوقعون يومًا أن تدور الدائرة عليهم، وأن الصراع الممتد في الشرق الأوسط منذ نكبة 1948 لن تصل ألسنته إليهم، وسيظل قاصرًا على منطقة الشام، وفلسطين، وفي أسوأ تقدير مواجهة ختامية مع مصر، الجائزة الكبرى في المفهوم الصهيوني.
لكن لصانع القرار وللصهيونية العالمية رأيًا آخر، يتمثل في ابتلاع منطقة الخليج بخطة محكمة نُسجت خيوطها بين الكيان الصهيوني وداعميه من مؤسسي هذا الكيان في أوروبا وأمريكا، وبين المد الشيعي الصفوي الذي تم زرعه أيضًا في المنطقة عندما جيء بالخميني وأُطيح بالشاه الإيراني، لتقوم إيران بدور العصا؛ لأن الخليج، الذي يمتلك النفط والموقع الجغرافي، يحتاج إلى البعبع الذي يجعله يرتمي في أحضان أمريكا وإسرائيل.
وقد حدث ذلك، لتختار دول الخليج الطريق السهل، ولِمَ لا، والأموال موجودة، والحمد لله، بكميات لا حصر لها ولا عدد؛ فلتأخذ أمريكا ما تشاء، ومن خلفها إسرائيل، طالما ستحمي الخليج.
فآمنت دول الخليج، للأسف، بخائنيها وقاتليها، وبدلًا من أن تنفق أموال النفط على التسليح والبحث العلمي وبناء قاعدة تكنولوجية وصناعية مستقلة، اختارت حياة الرفاهية والدعة والبذخ والترف.
فنام الحمل البريء في حضن الذئب والأسد.
وما أقوله ليس شماتة، حاشا لله، فكلنا في مركب واحد، لكنه الحزن والكمد والعتب في يوم لا ينفع فيه العتب.
إيران.. العصا التي تخيف الخليج
لقد فُرض على المنطقة المد الشيعي الصفوي، كما فُرض الكيان الصهيوني، لابتلاع المنطقة بحجة الدفاع عن الخليج ضد المد الإيراني، وهو ما سهّل وبرر لأمريكا وإسرائيل العمل بأريحية، وبترحيب من دول المنطقة التي كانت، أو لم تكن، تدرك أنها تلف الحبل حول رقبتها.
للأسف، آفة دول الخليج أنها تركت مصيرها بيد غيرها؛ بالخوف تارة، والراحة تارة أخرى، وبالسلبية تارة ثالثة.
النفط.. الهدف الذي يستحق كل هذا الصراع
فكان المخطط الجديد يتمثل في فرض الهيمنة على آبار النفط الرخيص في منطقة الخليج.
لذا فإن الغرب وأمريكا والابن غير الشرعي المتمثل في الكيان الصهيوني تجمعهم مصالح مشتركة واحدة، تتمثل، في السيطرة على النفط، إلى جانب إحكام السيطرة على الممرات الملاحية العالمية؛ مضيق هرمز وباب المندب، لخنق الصين وروسيا والسيطرة على التجارة العالمية.
فمن يسيطر على النفط والممرات البحرية، يمتلك مفاتيح قوة لا تتعلق بالمنطقة وحدها، وإنما بالاقتصاد العالمي كله.
الخليج.. العمق الاستراتيجي الذي تحتاجه إسرائيل
أما الاستفادة الكبرى التي سيجنيها الكيان اللقيط، فهي توسيع رقعته الجغرافية، التي لطالما شكلت نقطة ضعف قاتلة للكيان الصهيوني.
فعندما يحكم سيطرته على منطقة الخليج الهشة، والتي تعتمد في تسليحها وحمايتها على الغرب، إلى جانب قلة عدد السكان في معظم دول الخليج، فإن السيطرة ستكون سهلة على تلك المساحات الشاسعة، بما يشكل ظهيرًا قويًا لإسرائيل يحميها من مخاطر القصف الصاروخي وتوقف الإنتاج والحركة الاقتصادية، التي تنهار من أقل اضطراب، نظرًا لصغر مساحة الكيان المحتل.
إن إسرائيل، بحكم مساحتها المحدودة وتركيز منشآتها الحيوية والاقتصادية والعسكرية في نطاق جغرافي ضيق، تدرك أن أي حرب واسعة يمكن أن تجعل العمق الجغرافي والاقتصادي عاملًا حاسمًا في بقائها.
ومن هنا يصبح توسيع دائرة النفوذ، وامتلاك العمق الاستراتيجي، هدفًا لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح.
المخطط الأخطر.. أن يحارب أبناء المنطقة بعضهم البعض
لقد باتت ملامح اللعبة في التكشف لكل ذي عينين.
كان الهدف، وما زال، وهو ما فطنت إليه دول الخليج، أن تقوم دول الخليج نفسها بتنفيذ المخطط من خلال الانخراط في مواجهة مع إيران، وبالتالي يقضي المعسكران، الصفوي الشيعي والسني، على بعضهما البعض، ومن ثم تحتل إسرائيل المنطقة بمنتهى السهولة ودون أي مقاومة.
لكن فطنة دول الخليج المبكرة أبطأت من تنفيذ المخطط، إلى جانب التحالفات الإقليمية الكبرى بين باكستان وتركيا والسعودية، واتفاقيات الدفاع المشترك، التي قد تعرقل المخطط الغربي في المنطقة.
إلا أن تلك الاتفاقيات سيتضح مدى جدواها عندما تُختبر قريبًا.
فالمعركة الحقيقية لا تكمن فقط في البيانات السياسية أو الاتفاقيات المكتوبة، وإنما في قدرة الدول على تحويل تلك الاتفاقيات إلى قوة حقيقية عندما تشتد الأزمات.
الحرب لم تنتهِ.. والنار ما زالت تحت الرماد
لذا أقول: حتى وإن خفت صوت المعارك، فإن الحرب ما زالت مشتعلة، والنار تحت الرماد.
وتتجرع دول الخليج مرارتها من خلال توقف قطار التنمية ونزيف اقتصادي باتت آثاره تطفو على السطح.
فالحرب لا تحتاج دائمًا إلى دوي المدافع حتى تكون موجودة؛ يكفي أن تتوقف الاستثمارات، وتتراجع حركة التجارة، وترتفع تكلفة الحماية والتسليح، وتصبح المنطقة بأكملها أسيرة للخوف والقلق حتى يدفع الاقتصاد ثمنًا باهظًا.
الأمر أكبر من صراع إيران وأمريكا وإسرائيل
وأود أن أنوه إلى أن الأمر خطير وأكبر من مجرد نزاع بين إيران وأمريكا وإسرائيل..فأمريكا لن تخرج من الخليج وما نسمعه من تصريحات من حين لآخر من ترامب بانتهاء الحرب قريبا ما هو إلا حرب نفسية وتهيئة المنطقة لبقاء دائم.
فإيران لطالما لعبت أدوارًا لخدمة أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وساهمت في قتل وتدمير عدد كبير من البلدان الإسلامية، خدمة للكيان الصهيوني أو للمشروع الصفوي الصهيوني.
وبالتالي فإن اختزال المشهد في أن هناك طرفًا إيرانيًا في مواجهة طرف أمريكي أو إسرائيلي قد يكون تبسيطًا مخلًا لمشهد بالغ التعقيد.
ففي السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة، وإنما مصالح دائمة، وكل دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها، ولو كان الثمن على حساب الآخرين.
إسرائيل والمعركة الكبرى مع مصر
لقد اتضح للغرب أن ابتلاع القطعة السهلة والغنية أولًا سيمنح طفلَه المدلل، إسرائيل، كل القوى التي تحتاجها للمعركة الفاصلة مع مصر، الجائزة الكبرى.
فإذا نجحت إسرائيل في توسيع دائرة نفوذها، وتأمين مصادر الطاقة، وإحكام السيطرة على الممرات الحيوية، وإضعاف القوى المحيطة بها، فإنها ستكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في بناء منظومة إقليمية تخدم أهدافها الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في احتلال أرض جديدة، وإنما في تحويل المنطقة إلى منظومة تعمل لصالح المشروع الإسرائيلي دون الحاجة إلى رفع العلم الإسرائيلي فوق كل شبر منها.
الطريق إلى النجاة.. امتلاك القوة لا استيرادها
ولو كُتبت النجاة لدول الخليج من هذا المنعطف الخطير والمأزق القاتل، فعليها أن تبحث عن بر الأمان، وأن تتعلم الدرس، إن بقي مجال، في عدم الاعتماد على أيٍّ كان.
عليها أن تسعى إلى امتلاك كل التكنولوجيا والقوة الممكنة، وأن تزيد من الإنفاق على البحث العلمي، وأن تبني صناعاتها الدفاعية والتكنولوجية، بدلًا من أن تظل مجرد مشترٍ دائم للسلاح والتكنولوجيا من الخارج.
فليس المطلوب أن تشتري دول الخليج المزيد من الأسلحة فقط، وإنما المطلوب أن تمتلك القدرة على تصنيعها وتطويرها وصيانتها، وأن تمتلك التكنولوجيا التي تجعلها قادرة على الدفاع عن نفسها دون أن تنتظر إذنًا أو حماية من أحد.
كما أن امتلاك التكنولوجيا والبحث العلمي لا يجب أن يكون ترفًا، وإنما قضية أمن قومي ووجود.
والأمر لا يتعلق بالسلاح وحده؛ فالقوة البشرية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، ولذلك فإن زيادة النسل والاستثمار في الإنسان والعلم والمعرفة يجب أن تكون جزءًا من مشروع طويل المدى لبناء القوة.
أما استمرار إنفاق الأموال على الحفلات والاستهلاك والترف، مع ترك العلم والتكنولوجيا والصناعة للآخرين، فهو في النهاية يجعل الثروة مصدرًا للراحة لا مصدرًا للقوة.
المصير يجب أن يكون بأيدي أصحابه
وعلى دول الخليج أن تسعى جاهدة لأن يكون مصيرها في أيديها، وليس في يد أحد، وألا تكون تحت رحمة أحد.
فمن يملك أمنه بيد غيره، لا يملك قراره كاملًا.
ومن يستورد سلاحه وتكنولوجيته وحمايته من الخارج، سيظل مضطرًا إلى حساب موقف من يحميه قبل أن يحسب حساب خصمه.
لقد آن الأوان لأن تتحول الثروة الخليجية من مجرد وسيلة للرفاهية إلى قوة حقيقية في العلم والتكنولوجيا والصناعة والدفاع.
فالأمر جلل..
والخطر ليس في المعركة التي نراها فقط، وإنما في المخطط الذي قد يأتي بعدها.
فيسبوك تويتر / X يوتيوب واتساب
عقار 24
يقدم موقع عقار 24 تغطية يومية لأهم أخبار السوق العقاري المصري، وأسعار الشقق، الاستثمار العقاري، أخبار العقارات، أسعار الشقق في مصر، كمبوندات القاهرة الجديدة، العاصمة الإدارية الجديدة، سعر الذهب اليوم، سعر الحديد اليوم، سعر الدولار اليوم، سعر البنزين، أخبار الاقتصاد المصري، الاستثمار في العقارات، عقارات التجمع الخامس، عقارات العلمين الجديدة، شقق الإسكان الاجتماعي، سكن لكل المصريين، سكن مصر، وزارة الإسكان، بيت الوطن،أسعار العقارات في مصر، شراء شقة في مصر، الشيخ زايد، مدينة المستقبل، المنصورة الجديدة، شراء شقق بالتقسيط، أسعار مواد البناء، سوق المقاولات في مصر، كمبوندات التجمع الخامس، حديد عز، الحديد الاستثماري..


